- إلى أي مدى يمكن أن تقول بأنك تعرف صديقك الكاتب بالقدر الكافي؟
- إذا ما قرأت كتابا ما، وأثناء القراءة قلت فيما بينك وبين نفسك: “إن ما أقرأه هنا يشبه كتابة فلان”.
هذا ما حدث لي بالضبط عندما كنت أقرأ المجموعة القصصية لـ بريجيت جيرو، والتي صدرت عن منشورات حياة عام 2022 وحملت عنوان: “نبالغ في تقدير الحب”، ففي القصة الأولى من المجموعة والتي جاءت بعنوان “نهاية القصة”، وبعد قراءة عدة أسطر، أحسستُ بأنني أقرأ لصديقي “طاهر الزهراني”، فالأسلوب نفس الأسلوب، إنه شيء يشبه مسحة من روح طاهر، لم أكن أعرف بالتحديد ما المتشابه بينهما، حاولت التفكير كثيرا في ذلك، لكنني في كل مرة كنت أفشل، حتى وصلت لشيء يمكن أن أسميه “الشمولية”، وهو مصطلح غير دقيق، إنه مصطلح يحاول أن يقترب مما أحسّ به، و سأشرح ما شعرتُ به حينها.
أكاد أجزم بأنني قرأت تجربة طاهر الزهراني كلها، إلا بعض القصص القصيرة في بعض مجموعاته. قرأتُ له نصوصا منشورة، وقرأتُ له مسوّدات عدة قبل النشر، وتخاصمنا كثيرا تجاه بعض المسوّدات، حتى أنني أتذكر بأنني قلت له بعدما قرأت له مسوّدة رواية ذات يوم: “لقد أفسدت الفكرة بهذا النص”، فضحك كثيرا.
لدى طاهر مثلما لدى جيرو، تلك الشمولية التي تجعلهما يستخدمان اللغة لإعطاء صورة شاملة حول العوالم التي يكتبان عنها، فدائما ما كنت أقول فيما بيني وبين نفسي أثناء قراءة نصوص طاهر: “هذه الجزئية جيدة للغوص في التفاصيل أكثر”، لكنه في كل مرة يخيّب ظني وينتقل دون الحديث عن تلك التفاصيل، وهذا ما حدث معي في بعض قصص بيريجيت جيرو، فكان أمامها في عدة مواضع تلك الفرصة للغوص في التفاصيل، لكنها لم تقم بذلك هي الأخرى، وكأنها تريد أن تذكّرني بأن وجهة نظري – تجاه الغوص في التفاصيل – ليست دقيقة ومثالية!
إن قصة “نهاية القصة” وقصة “العادة” في هذه المجموعة كُتبت وكأن طاهر هو من كتبها، فهي إضافة لشمولية الأسلوب، تحمل تلك الجمع القصيرة المتتالية، التي تقفز بنا إلى أماكن مختلفة لكنها تحمل ذات الثيمة، وكأنهما مشغولان فقط في رسم صورة عامة لتلك العوامل، ولا يهتمان للتفاصيل التي لا ينبغي أن تأخذ حيزا من التفكير، فهذا ما كنت ألاحظه طوال السنين الماضية اثناء قراءتي لتجربة الزهراني.
إن كل ما كتبته في الأعلى هو محاولة تعالم لا أكثر، فلا أستطيع الجزم هل ما كتبته دقيق فعلا، أو لا، لكنني شعرت في لحظات معينة بذلك، فالحساسية هي التي تدفعنا لأن نؤوّل كل شيء، وكأن أحاسيسنا هي الحقيقة، وهي في الواقع لا أن تقول الحقيقة كاملة.
بعد أن أحسست بذلك قبل يومين، اتصلت بطاهر وتحدثت معه حول هذا الأمر، ضحك واستغرب، حاولت أن أبيّن له ما أشعر به، وأحلل ما قرأته، لكنني لست متأكدا ما إذا اقتنع بما قلته أم لا، لكن النصوص دائما هكذا، توهمنا، تعطينا طرفا من معرفة، وكأننا نعرف كل شيء عنها، لكننا في الحقيقة لا يمكن أن نقبض على جوهرها أبدا.

