مثلما يقول ايرنان ريبيرا: “الحب ساحر”، أنا أقول: “اللغة ساحرة”.
قال إيرنان ذلك في رواية “رجال وقرى” والصادرة عن دار عصير الكتب العام الماضي، بترجمة المترجم المصري محمد الفولي، وهي في الأساس ثلاث روايات قصيرة في كتاب واحد.
يأتي هذا الكتاب امتدادا لما قرأته لهذا الروائي التشيلي بعد روايته البديعة “راوية الأفلام” التي ترجمها الراحل صالح علماني، وهو كتاب عبارة عن ثلاث روايات تحمل ثيمة واحدة وهي المكان: “مستعمرات الملح الصخري في تشيلي”، و “وصول أشخاص غرباء إلى هذه المستعمرات”، وما يحدث لهم هناك.
ففي الرواية الأولى يصل عازف كمان محبط بعد هروبه جراء خيبة عاطفية إلى إحدى تلك المستعمرات التي يكتشف بأنه لا يوجد بها سوى شخص واحد، يعيش معه عدة أيام يكتشف فيها عدد من الأسرار.
وفي الرواية الثانية يصل خطيب مفوّه يبيع الكلام مع صديقيه إلى إحدى المستعمرات ليبيع الكلام على أهلها ويسترزق، ليصادفوا عددا من الأحداث التي غيّرت مسار حياتهم، وفي الرواية الثالثة يصل إلى إحدى المستعمرات مصوّر شديد الشبه بممثل مكسيكي مشهور راحل، ليكتشف بأن هناك فتاة في المستعمرة تحب ذلك الممثل حبا عظيما، فيتحول ذلك المصور من رجل يحاول الارتزاق إلى عاشق.
كتبت الرواية بتقنية جميلة، فهي عبارة عن مقاطع صغيرة لا تتجاوز الصفحة ونصف غالبا، يسرد فيها المؤلف الأحداث بشكل مرتب غالبا، وفي أحيان عدة يعود بالزمن إلى الوراء، أو يقفز بنا إلى الأمام، لكن الروايات تبقى متماسكة، ومشوّقة، بلغة بسيطة، وتقريرية أحيانا، على الرغم من وجود بعض المجاز في أنحاء متفرقة من العمل ما يضفي على النص جمالا ومتعة.
أثناء القراءة صادفتني عدة مصطلحات، هي في الواقع من ابتكار المترجم محمد الفولي أثناء الترجمة، ومنها كلمة “السنيّد” وعبارة “يا روح أمك”، وعبارة “فولة وقد انقسمت إلى نصفين”، وغيرها أيضا، فكل هذه العبارات أدرجت في الترجمة بمنهجية واضحة ومقصودة، خاصة أن مترجم العمل كتب في نهاية الرواية كلمة بخصوص تعامله مع المصطلحات، وكيف وصل إلى هذه النتائج أثناء الترجمة؟ وما الدافع وراء ترجمته لهذه الكلمات العامية الأقرب للفصحى.
في الحقيقة لم يعجبني أن يبرر المترجم كل هذه الأشياء في كلمته في نهاية الكتاب، ومن المفترض ألا يبرر أي مبدع سواء كان مؤلفا أو مترجما ما يقوم به، كل ما على المترجمين والمبدعين أن يكتبوا وينشروا فقط، دون الحاجة لتبرير ما يقومون به، وكأن هناك سلطة هائلة للملتقي يجب أن نتخفف منها بالتبرير، لكن بعد قراءة كلمة المترجم تبادر إلى ذهني سؤال: هل التدخل في ترجمة النص الأدبي يعدّ مناهضة لأصالة النص؟
وهذا سؤال إشكالي بالطبع، لكن أتصور بأن جزءا أساسيا من تكوين النص الفني والأدبي قائم على اللغة، فاللغة ركيزة أساسية في أي نص أدبي، ومحاولة الاقتراب منها يمكن أن تكون محاولة من الاقتراب من جوهر النص، والمساس بها، هو مساس بجوهر النص.
أعرف جيدا بأن هناك معركة شرسة بين المؤلفين العرب، والمدققين اللغويين أو المحررين حينما يحاولون المساس بلغتهم، أو التغيير فيها، وهم في الواقع يتعاملون مع نفس اللغة، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بلغة أخرى.
مازلت أتذكر تجربتي التعيسة في ترجمة إحدى رواياتي للغة الإنجليزية، فعندما وصلني النص باللغة الإنجليزية، عرضته على إحدى الزميلات النيوزيلنديات، كنت قد عرفتها في فترة دراستي في نيوزيلندا، لكن المرعب في الأمر أنها أعطتني نحو 380 ملاحظة على الترجمة في 90 صفحة فقط، مع العلم بأن النص عبارة عن 220 صفحة، فلم يكن مني إلا أن أوقفت مشروع الترجمة على الفور.
لكن هل فشل الفولي مثلا في ترجمة العمل، بالطبع لا، إنما قرأت العمل باستمتاع، وتأثرت به، وأعجبني كثيرا، لكن كلمته في نهاية الكتاب هي من أثارت هذا السؤال، وهذه الذكرى. لذا ينبغي على المبدعين ألا يبرروا ما يقومون به، لأنه ذلك مدعاة لإثارة الهواجس!

