كلما اقتربنا من بيئتنا، ازددنا إنسانية!
إن الفن قائم على فكرة الاقتناص. إنه يتحلى بالدقة الكافية لالتقاط حالة إنسانية ما، وتقديمها للناس لتكون محور الحياة في ذلك الوقت، فالأفكار الكبرى لم تعد مغرية في كتابة الفن، إنما تمثيل هذه الأفكار الكبرى في حالات إنسانية لم ننتبه لها، هي الفن الحقيقي الذي ينبغي أن يتمسك به كل فنان، سواء كان شاعرا أو روائيا، أو قاصا، أو حتى من يصنعون الأفلام.
وأعتقد بأن رواية “الرّوع” للروائي العُماني زهران القاسمي، والصادرة مؤخرا عن دار مسكلياني هي من هذا النوع، لأنها تمثّلت في اقتناص فكرة إنسانية قلما نتنبه لها، وبنَت عالما متماسكا حولها، وقدّمته للقارئ بأجمل طريقة ممكنة.
إن هذه الرواية ببساطة تتحدث عن علاقة البطل “محجان” بفزّاعته التي بناها، هذه العلاقة التي صارت ملتبسة في نهاية الأمر، فدفعته في لحظات ما إلى الجنون، فهل ارتباطنا بالأشياء التي نحبها يدفعنا للجنون بشكل أو بآخر؟ وهل إيماننا بفكرة ما يمكن أن يقودنا إلى عوالم لم نكن نتخيلها؟
إن هذه البساطة في التناول لا تلغي التماسك الذي كتبه القاسمي في روايته، بلغته الخاصة، تلك اللغة الرفيعة التي لا تصدر إلا من مبدع عُماني، فاللغة في عُمان هي سيدة الموقف على الدوام، وأعتقد بأن ما يميّز عملا أدبيا عن آخر، هو تلك اللغة التي تدل على صوت الكاتب، وتصبح بصمته بمرور الزمن، فنحن نعرف الناس من أصواتهم في الحقيقة، وفي الفن يمكن أن نعرف الأدباء من خلال لغتهم.
رواية “الرّوع” رواية غارقة في المحلية، تمسكنا بيدينا وتذهب بنا إلى قرى عُمان البعيدة، لأولئك البسطاء الذين ربما في أحيان كثيرة لا يلفتون انتباهنا، ووظيفة الفن أن يلفت انتباهنا لأولئك الذي يعيشون في الهامش في الواقع، ولا يلفت لهم أحد.
لم يحمّل القاسمي الرواية أكثر مما تحتمل، فجاءت على حجم فكرتها تماما، وقدّمت تلك الحياة كما ينبغي، وكأنه كان دقيقا جدا في اختيار مفرداته لتأتي الرواية مفصّلة على حجم الفكرة، وهذا يدل على البراعة الكبيرة التي يمتلكها في كتابة الرواية.
أن يحوّل فنان ما فزّاعة إلى عمل روائي، هو بالتأكيد لديه الدربة والقدرة والأدوات الروائية الكافية، فكم مرّ علينا من أشياء بسيطة في الواقع لم ننتبه لها، لكن الفنان الحقيقي هو من ينتبه لكل ما يحيط به، ويستطيع أن يخلق عوالم مكتملة حولها، كما فعل زهران تماما.
استمتعت كثيرا بهذا العمل المحليّ الجميل، رغم أن بعض الحوارات بالعاميّة العُمانية كانت صعبة عليّ في الفهم، فمرّت علي دون أن افهمها، لكنني استوعب جيدا لماذا كانت الحوارات بالعامية؟ فعمل بهذه العرامة في المحلية، كان ينبغي أن تكتب فيه الحوارات بأسلوب غارق في المحليّة.
أعود وأكرر ما كنت أقوله مرارا وتكرارا بأن التجربة الأدبية العُمانية متفوقة جدا، وهي من التجارب الجديرة بالقراءة والاحتفاء، ونحن بلا شك فخورون بها، لأنها تقدّم الأدب العربي بأفضل صورة ممكنة.

