“ما ألقاه الطير”.. الفضول على شكل امرأة!

وراء كل منتج إنساني موهبة ما.

حتى لو حاولنا أن نتناسى دور الموهبة في النتاج البشري، ونعوّل دائما على الاشتغال، على العمل الدؤوب، على الركض المستمر وراء تجويد ما نقوم به، إلا أن الموهبة تقف في المنتصف عادة لتنتصر في النهاية، تثبت وجودها رغما عنا أحيانا.

سعدت كثيرا بأنني قرأت مسوّدة رواية دينا شحاتة الجديدة، والتي حملت عنوان “ندّاهة أصيل.. من لندن إلى جدة”، والتي صدرت عن دار العين بالقاهرة. بالنسبة لي كانت تجربة مثيرة؛ لأنها تختلف كليا عن كل تلك الروايات التي قمت بقراءتها كمسودات، وعملت على إبداء الملاحظات حولها، تلك التي تأتيني من الأصدقاء والأحبة، فهذا العمل فيه من الواقعية السحرية ما دفعني لأن ابتسم أمام موهبة هذه الشابة، وكيف استطاعت استنطاق النباتات، والجمادات، وخلق حوار إنساني معهم، وتوظيف ذلك في عمل روائي، في فترة زمنية حديثة نسبيا؟

لكن المفاجأة كانت عندما قرأت روايتها “ما ألقاه الطير”، والتي صدرت عن دار العين بالقاهرة أيضا عام 2024، وذلك لأن الواقعية السحرية في هذا العمل كانت حاضرة منذ بداية العمل إلى نهايته، سيطرت على سير الأحداث، وهو ما كان يدفعها للمضي قدما. إنه عمل روائي مختلف بكل تأكيد.

فأن تكتب روائية شابة في منتصف الثلاثينات من عمرها عملا بكل هذه الحكمة، يحمل مزيجا هائلا من الواقعية السحرية، والأساطير، والعوالم الغريبة، وتوظيفها في إطار زمني حديث، في بيئة نعرفها، نراها أمام أعيننا، ندرك حجم حداثتها، والأهم أنها تقنعنا بذلك، تجعلنا نتماهى مع الحكاية، نعيش بداخلها، نتأثر بها، فحتما نحن أمام موهبة فذّة.

إن الرواية تحاول أن تقول بصوت عال: “إن فراغ قلوبنا، يدفعنا لاقتراف أشياء لم نكن نتخيلها مطلقا”، إنها حالة إنسانية عظيمة، تمر بأكثرنا غالبا، لا ندركها حتما حتى تفرغ قلوبنا، ونسير في الحياة كأننا بلالين ضخمة ومنتفخة لا يسكننا سوى الهواء، فالإنسان الممتلئ قلبه، سيكون بلا شك إنسان سوي، له دور فاعل في الحياة، حتى لو كان ذلك فيما بينه وبين نفسه، أو في الدائرة القريبة منه.

إن الخواء هو داء هذا العالم، ذلك الداء الذي سيقتلنا في نهاية الأمر، ويتركنا على قارعة الطريق مثل جيف الكلاب التي تموت ولا يلتفت لها أحد.

إن رواية “ما ألقاه الطير” كتبت بموهبة واضحة، فيها تدفق سردي، وكأن الرواية كتبت دفعة واحدة، فكل كلمة في هذا العمل في مكانها المناسب، بلغة دينا التي لا يستطيع أحد أن يكتب مثلها، تلك اللغة العصية على التقليد، عملت عليها الكاتبة وكأنها صائغ ذهب يضع على إحدى عينيه عدسة مكبّرة، لتعرف المكان المناسب لكل كلمة في الجملة.

إنني سعيد بقراءة هذا العمل، لمدى الدهشة التي أصبت بها أثناء، وبعد انتهاء قراءتي لهذه الرواية، التي أعتقد بأننا جميعا بحاجة لقراءتها لنعرف بأن الأدب الحديث يمكن أن يفرز أعمالا أدبية رائعة، وأن الرواية تحديدا ليست كلاما فارغا كما يدّعي الكثيرين.

إنها رواية النساء، فأبطال العمل كلهن من النساء، ابتداء بمرام وعزيزة، مرورا بحدوتة ودونكا، وصولا إلى خضرة، كلهن يعشن بذات الخواء والفراغ، على اختلاف أزمنتهن، وأماكنهن أيضا، يربطهن ذلك الفراغ بالطائر الذي يبللهن ليكشف لهن حقيقتهن في نهاية المطاف.

أتصور بأن الفضول في البدء خلق على شكل امرأة، ثم استحال لشيء يشبه الذرات في الهواء، يتلبسنا من حيث لا نعلم، يضفي علينا شيئا من جبروته، فننطلق في اكتشاف الأشياء، هذا ما حدث بالتحديد مع بطلات هذا العالم، فالفضول هو من كان يحركهن، ويدفعهن للمضي في محاولة اكتشاف الأشياء، ليصلن في النهاية لحقيقة ذلك الطائر الذي بللهن بدموعه.

لقد استطاعت دينا شحاتة أن تملأ الخواء والفراغ الممتد طوال العمل، بكم هائل من الدهشة، لتجعلنا نتمنى فيما بيننا وبين أنفسنا: ليت كل خواء يمكن أن نحس به، أن نعيشه، يأتي مملوءا بأشياء مدهشة كتلك التي كانت في الرواية.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.