- متى ندرك بأننا مأسورون تجاه لغة نص مكتوب؟
- عندما نتمنى فيما بيننا وبين أنفسنا بأننا نحن من كتبنا هذا النص
منذ السطر الأول وأنا أتمنى – طوال صفحات الرواية، التي لم تتجاوز 135 صفحة – أن أكون أنا من كتب هذا النص المدهش في لغته، وفي تماسكه، وفي جبروته، فرواية “القبيلة التي تضحك ليلا” لسالم الصقور، والصادرة عن دار مسكلياني، رواية مدهشة وفاتنة، للحد الذي كلنا سنتمنى أن نكون نحن من كتبها.
فقصة الرواية ببساطة تحدث خلال ساعات قليلة بعد أن تلد زوجة البطل بابنته الأولى، بعد خمسة عشر عاما من انتظار ولد ما، إنها عقد ونصف من التحديق في المجهول الذي لا يمكن التنبؤ به.
إن هذه الرواية تعلمنا معنى الأبوة، نحن الرجال الذين لا نتحدث عن هذه الفكرة كثيرا، فكل رجل سيقرأ هذه الرواية سيدرك حتما أي معنى أن تكون سببا في زيادة فرد لهذا العالم من منطلق أبوي، وستساءل: ماذا لو لم أكن قادرا على أن يزيد العالم إنسان واحد؟
إنها مأساة حتما أن تدخل في صراع بيولوجي لا تملك أدنى فكرة عن ماهيته أصلا، فتضطر أن تسلك كل الطرق لتنتصر، وتكتشف بأنك فشلت في كل الحالات، كما يشعر بطل الرواية “علي بن مانع”، هذا الرجل الذي انقاد للسحر والشعوذة، والطب الشعبي والطب البشري، ورجال الدين والفقهاء ليحصل على حيوان منوي واحد، واحد فقط، ليكون قادرا على اختراق تلك البويضة وتلقيحها ليزيد حجم هذا العالم بمقدار إنسان واحد.
إن الفقد والحرمان يعلمنا الحكمة، – أو الجنون أحيانا – مثلما هو بطل هذه الرواية الذي لم يترك الأشياء تحدث دون أن يتأملها، وأن يمسك بأيدينا ويدخلنا فيها، بتلك اللغة العذبة التي نتمنى فيما بيننا وبين أنفسنا أن نكون نحن من كتبناها.
في الحقيقة أن هذه الرواية هي تعد الرواية الأولى للكاتب السعودي “سالم الصقور” لكنني أعتقد بأن هناك معلومات لا يمكن أن تدل على الحقيقة كاملة رغم صحتها، فهذا النص الذي يعد الأول لكاتبه، جاء ناضجا بالمقدر الذي لابد أن نؤمن بأنه جاء بعد مئات النصوص التي كتبت، وربما لم تنشر، فمن يكتب بكل هذه العرامة، هو في الواقع لا يمكن أن تكون هذه الرواية روايته الأولى، فبعد القراءة حتما لن تجد هنّة تحدث مثلما تحدث دائما مع محاولاتنا الأولى في الكتابة.
ولد سالم الصقور كروائي بشكل مثالي منذ أول مرة، وكأنه بذلك يعارض فكرة بطل الرواية الذي لم يستطع أن يأتي بإنسان كامل من صلبه، وهذا أعظم ما يمكن أن يقدمه الفن في التباين الكبير بين شخصين، يتشاركان نفس المنطقة.
أعتقد بأن رواية “القبلية التي تضحك ليلا” إضافة مهمة للمدونة الروائية السعودية، إن سالم الذي ولد كبيرا منذ أول لحظة، سيكبر يوما بعد يوم، ليكون هرما روائيا عظيما ننظر له في قادم الأيام بهيبة واحترام.

