في كل كذبة يطلقها إنسان ما، هناك حقيقة مواربة.
هذا ما ستصل إليه حتما بعد الانتهاء من قراءة رواية “امرأتان في براغ” للروائي الإسباني خوان خوسيه ميّاس والصادرة حديثا عن منشورات حياة .
إن ما يحدث في هذا العمل هو تكرار هائل لحيوات مبنية على الكذب، تصدّقها عندما تقرأها، لكن أبطالها يعترفون بكذبهم بعد ذلك، فتُهدم هذه الحيوات، لتعود لبناء الحكاية من جديد حتى تصل في النهاية إلى أن كل علاقاتنا الإنسانية متشابكة بشكل ما، وكأن البشر جميعهم جاؤوا للحياة من بطن واحد.
هناك سرّ في جمال هذه الرواية، وهذا يعيدني لقراءتي لكتاب “سر الجمال” لجون أرمسترونع والذي صدر مؤخرا عن منشورات وسم في الكويت، حيث يؤكد “كانط” في تحليله لسر جمال الأشياء بأننا نمر في نظرتنا للأشياء بعملية مركبة، فنحن عندما نتقاطع مع أي شيء جميل، نستشعر متعة ما في البداية، من خلال هذه المتعة نطلق حكما على هذا الشيء بأنه شيء جميل، لكنه لم ينس أن يعطينا بعد ذلك تصورا عن مفهوم المتعة، بحيث يراه “حالة ذهنية”، فما يمتعك في لحظة ما، ليس بالضرورة أن يمتعك في لحظة أخرى مختلفة، فالمتعة متعلقة بالذهن، وهي حالة غير مستقرة.
لذا وأثناء قراءة هذه الرواية أحسست بمتعة ما، هذه المتعة هي من قادتني لإطلاق حكم على هذه الرواية بأنها رواية جميلة، على الرغم من التشابك الهائلة في العمل، الذي يقوم على عدة شخصيات كل منها يعيش بشكلين مختلفين، حتى تلتقي أقدارهم في النهاية دون أن يصلوا للحقيقة.
إن هذا التعقيد الحاصل في العمل، يحدث بشكل أو بآخر في الحياة، لكننا نعيش متجاهلين كل هذا التعقيد؛ لأن الحياة أقصر من أن نقضيها في تتبع حقيقة الأشياء. إنها رواية جميلة في لغتها وتعقيدها، وكذبها أيضا، فالفن هو أن تكون لديك القدرة على بناء عالم بأسهل طريقة ممكنة، وهو في الواقع أوهن من أن يصمد إذا اعترفت بأن ما تقوله كله كذبا.
أعتقد بأن للكذب شكل جميل أيضا، بعيدا عن المسألة الأخلاقية، فهو حالة من التخيّل لما نريد له أن يكون، إنه شيء مثالي بكل تأكيد، في الوقت الذي ندرك جيدا بأن الحياة غير مثالية أبدا.
هذا العمل الروائي بالنسبة لي هو امتداد للرواية الإسبانية الفاتنة في لغتها، وتشابكها، وبوليسيّتها، فبمجرد أن اندمجت في العمل تذكر رباعية “كارلوس زافون” في “مقبرة الكتب المنسية” تلك التي أوهمتنا في البداية بأنها تدور حول عوالم عن الكتب، لكنها في العمق تتحدث عن قصص بوليسية تحاول في كل مرة أن تمسك بخيط شفاف لتصل إلى نتيجة ما.
إن هذا العمل يدفعك لعدم التصديق في كل شيء، ويتركك متشككا فيما سيحدث، يجعلك تؤمن بأن هناك كسر لأفق توقعك سيحدث في الصفحة التالية، فتصبح مثل من ينتظر صفعة في ذلك السكون الهائل المحيط بك، فتدخلك في حالة من التوجّس والحذر المستمرين حتى نهاية الرواية، وهو خصلة فنيّة بامتياز.

