المأساة كمزار سياحي

“عودوا إلى أوطانكم، وأخبروا كل من تعرفون بما حصل في “جزيرة روبن”، لكن تأكدوا بأننا لن نسمح لما حصل أن يعود مرة أخرى”.
هكذا أنهى المرشد السياحي حديثه معنا بعد جولة طويلة قضيناها في جزيرة روبن في مدينة كيب تاون، هذه الجزيرة التي كانت سجنا عملاقا فيما مضى، هذا السجن الذي قضى فيه نيلسون مانديلا أكثر من ربع من قرن من حياته!
المأساة ستنقضي حتما، وستبقى آثارها على الدوام، لكن أن تعيد تأسيس هذه المأساة في نفسك كل يوم، فمن المؤكد بأنها لن تنتهي أبدا، وهذا ما كان يقوم به مرشدنا السياحي، الذي كان سجينا سابقا في ذلك السجن، فقد كان يعيد تأسيس تلك المأساة يوميا، عندما يستقبل السياح، ويحكي لهم قصة ما حدث هناك، فقط لأنه يريد إيصال صوته للعالم!
قبل أن نركب “العبّارة” في طريقنا إلى الجزيرة، كان المكان مزدحما، وكأننا مقبلون على مشاهدة سيرك، أو حفلة غنائية، فحتى المأساة لها جماهيرها. كان الجو صحوا على الرغم بأننا كنّا في آواخر شهر جولاي، وهو أبرد أشهر السنة في جنوب إفريقيا، فمنذ اللحظة الأولى كان الطقس يساعدنا على اكتشاف المأساة بأبهى حلة ممكنة.
أخذ منا الطريق من المرسى إلى الجزيرة قرابة نصف ساعة، خلالها كنت أشاهد فيلما وثائقيا يعرض على ظهر تلك “العبّارة” عما حدث في جزيرة روبن، ذلك السجن الذي كان يعامل البشر بوصفهم أرقاما، فكل سجين يُسمّى برقم ما، وقد حظي السجن بشخصيات سياسية بارزة، ولم يتوقف على سجن الجنوب إفريقيين فقط، بل امتد ليشمل كل الجنسيات الأخرى.
يا للبشاعة. أن تسجن وسط الماء! طوال الطريق كان ذلك الفيلم يعرض شهادات لبعض المساجين الذين مازالوا على قيد الحياة، يحكون فيها ما حدث لهم، وكأنهم يتبرّؤون من ذاكرتهم علنا.
عندما وصلنا إلى الجزيرة، وقفنا في صف طويل، مثل طلاب المدارس، فنحن مقدمون على درس لا يمكن نسيانه. سرنا حتى دخلنا إلى السجن، عندها استقبلنا رجل سبعيني، ذو شعر أسود كث، يحمل يد يسرى مصابة، تحدث معنا بإنجليزية إفريقية صرفة، وكان ظريفا حقا في بداية اللقاء.
أدخلنا في البداية إلى الزنازين، فأخذنا نظرة عليها، ثم طلب منّا أن نجلس في زنزانة كبيرة، وكأنه كان يعدّ العدّة ليحطمنا أكثر، وما إن جلس الجميع، وكان عددنا يفوق الثلاثين شخصا، حتى انطلق يتحدث عمّا حدث في هذا السجن، وعن معاناة المساجين، والسود منهم تحديدا.
في الحقيقة كان مفوّها. تحدّث لنحو نصف ساعة متواصلة. كان يسرد ما حدث وكأنه يحكي قصة فيلم يعرض أمامه في نفس اللحظة، تلك القدرة العجيبة على السرد مردّها – في اعتقادي – ذاكرة لم تغفر بعد، وأعتقد بأنه لن يغفر أبدا، لأنه ممتلئ بالضغينة.
أن تتحدث عن كل تلك المآسي كل يوم لأناس مختلفين، وتطلب منهم أن يعودوا لأوطانهم ويحكوا ما حدث لمن يعرفونهم، فمن المؤكد بأنك لن تسامح، وكيف يمكن أن يغفر إنسان ما، وهو يعيد سرد معاناته كل يوم كواجب يومي، ينبغي عليه تأديته!
لقد برع ذلك المسن في التأثير فيّ تحديدا. كان ينغّم صوته أثناء الحديث، ويحكي بكل حماس، وكأنها حكايته الأخيرة، وعندما يريد أن يؤكد على حدث ما يرفع صوته عاليا، مثل من يريد أن يُسمِع العالم أجمع، فهو رجل لم يجد سوى سرد الحكايات لمواجهة جبروت هذا العالم.
نزلت دمعة. ينبغي أن أعترف بذلك، نزلت دمعة لم أستطع اخفائها، لأن ذلك الإخلاص الذي كان يقوم به مرشدنا في أن تصل حكاياته لأرواحنا يدعونا لأن نتعاطف معه حقا. حتى بدا الجو في تلك الزنزانة الواسعة أشبه بمأتم. الجميع ينصت باهتمام، الجميع متأثر من حيث لا يعلم! حتى أنني نسيت هاتفي المحمول، مضيت وأنا أمسح دمعة نزلت من عيني، ولم انتبه إلا بيد تربت على كتفي، لأجد شابا إيطاليا يناولني هاتفي المنسي!
إن للمآسي قدرة عجيبة على توحيد الألوان والثقافات والأديان. إنها المشترك الإنساني المؤلم الذي نلتفّ حوله. بعد أن انتهى من تدمير كل حصون تحفظنا، قادنا إلى أماكن متفرقة من السجن، أين كانوا يأكلون؟ وأين كانوا يمارسون الرياضة أحيانا؟ وأشار لمبنى بعيد، وقال: “لقد كانوا يعالجوننا هناك، إذا ما أردنا أن نموت!”.
الجزيرة كلها سجن أصلا، لذا كان السجن شاسعا، وقد بناه السجناء بأنفسهم، فكل طوبة في ذلك المكان كان وراؤها يد سجين ما، ونحن لا ندري الآن هل هو حي أو ميّت، لكن أثر تلك اليد غدا مزارا سياحيا يراه الناس!
عندما ودّعنا في نهاية تلك الجولة، أوصانا أن نوصل حكاية المأساة لكل من نعرف، فقد بدا مخلصا لمأساته بلا شك، لأنه يريد أن يسمع بها العالم كله، لتدرك في النهاية أن ذلك البلد الجميل والفاتن، يخبئ خلفه تاريخا مهولا من المأساة والمعاناة، وكأنه يقول: “نحن نمضي قدما على الدوام، لكننا لا يمكن أن ننسى مآسينا!”.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.