المرأة السنغالية.. في رسالة طويلة جدا

المرأة مثل الكرة. من يرم هذه الكرة، لن يستطيع توقّع تقلّباتها. إنه لا يتحكم في المكان الذي تتدحرج إليه، ولا يتحكم فيمن سيستولي عليها. في كثير من الأحيان تمسكها يد غير متوقعة”.
‏هذا ما كتبته الروائية السنغالية “مريما با” في روايتها التي حملت عنوان “رسالة طويلة جدا” الصادرة عن منشورات حياة عام 2022، هذه الرواية التي كانت عبارة عن رسالة طويلة جدا ترسلها البطلة إلى صديقتها التي غادرت السنغال إلى أمريكا، لأنها لم تتحمّل أن تكون زوجة أولى تركها زوجها ليتزوّج بأخرى، فقررت الاحتجاج على ذلك.‬
‏في آخر ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك زارنا صديق نيجيري رفقة زوجته وابنه، وحضر معنا احتفالنا العائلي بعيد الفطر، وبدا سعيدا جدا لطقوس العيد، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يجرّب فيها طقوس العيد في المملكة العربية السعودية.
‏في الواقع كان متواضعا وكريما، وأثناء الحديث كنّا نتشارك معه في معتقدات عدّة، حتى أن تصوّراتنا عن الحياة قد تتلاقى معه في جوانب مختلفة، لكنني كنت أتساءل: كيف ستتعامل أمي وعمّتي مع زوجته في المنزل؟ لكنني أيقنت بأنهن تعاملن مع بعضهن بطريقة بسيطة جدا، فكل ما في الأمر أنني مصاب بلعنة التحديق في الأشياء.
‏لطالما كانت المرأة الأفريقية غامضة بالنسبة لي، لكن هذه الرواية جاءت لتبدد هذا الغموض، لأكتشف بأن البشر يتشاركون في الهموم والأفكار الإنسانية، رغم اختلاف اللغات والديانات والثقافات.
‏فهذه الرواية تحكي قصة صديقتين، تقعان في ذات المأزق: عندما يقرر الزوجان في فترتين مختلفتين، وبطريقتين مختلفتين أيضا أن يتزوجا عليهما، فيكون لكل واحدة منهما ردة فعل مختلفة عن الأخرى، فتدخل الرواية في عوالم من العلاقات الإنسانية والزوجية المعقدّة، وتكشف جانبا من حياة الشعب السنغالي الذي خرج للتو من سلطة المستعمر.
‏تكشف الرواية حالة من الطبقية يعيشها الشعب السنغالي، ففي الوقت الذي نتعامل فيه مع شعوب افريقيا ممن يحملون بشرة سوداء على أنهم شيء واحد، إلا أننا لا ندرك مقدار الطبقية داخل هذه المجتمعات، تلك التي تصل إلى عدم التزويج، والنظرة الدونية لبعض فئات الشعب، وأن الدم الذي يجري في أجسادهم يختلف من شخص لآخر، وحتى نظرة الشعب السنغالي لشعوب الدول الأخرى، فتكتشف في النهاية بأننا متشابهون بشكل لا يصدّق.
‏إنها رواية نسائية بامتياز، فهي تطرح كل القضايا التي تتعلق بالمرأة دون أن تطلق حكما، فالقصة صادقة لفرط تأثيرها، ولغتها جميلة، ومكتوبة بدقة على الرغم بأنها الرواية الأولى للكتابة، التي ماتت قبل أن تنشر روايتها الثانية.
‏لقد كانت هذه الرواية اكتشافا حقيقيا للمجتمع السنغالي من داخله، بالطريقة الأكثر فتنة ووضوحا، لأنها قالت كل الأشياء من خلال رسالة، أو عدة رسائل، لكنها رسائل طويلة جدا.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.