مريم مسعود الشحّي
في رواية القار تجد ارتباك الهوية الواضح الذي يكون سببه لونٍ..
قدر هائل من ارتباك الذات، الروح، النفس، الهوية، كل ذلك مسببه هو لونٌ، لون جلود أبطال الرواية.
في البدء صدق تنويه علوان الذي يرمي بالقارئ نحو شرك الرواية ذات الصوت الواحد، البطل / البطلة الأحادي، حين ينوه بأن (بطلة العمل) شوهدت آخر مره في دمشق، لكن ما أن تنساق باندهاش مبهم نحو الأحداث التي تتوالى صياغة وسردا بطريقة (الفلاش باك) التي أعتمدها الكاتب، حيث تنحدر بالزمن من الوراء للخلف/ للبداية.
تبدأ الرواية بالفصل ثلاثين لتتدحرج بسرعة نحو الفصل الأول الذي ينهي العمل كهاوية سحيقة يرتطم جسد هلعك الذي صاحبك مع قراءة الرواية، لتكتشف بأنه (ملعوب عليك)، فهناك أبطال في رواية القار، أبطال كثر تقاسم معهم علوان السهيمي حيواتهم لكي تدب في روايته الحياة، من سحر بياض إلى عبده عطفان مرورا بيحيى جركن وصالحة عطفان وناجية سعيد، حتى حسينة عطفان صاحبة الدور الأقل حظوة بالرواية كان لها صوت عالي في هذا العمل الصاخب.
هذه الرواية المسكونة بهلع مخيف، هلع يشبه ذاك الذي يزرعه الغناء المتخبط والصاخب داخلنا حين يبدأ بقرع مدوي، تدهشك القار بصخبها، وكأنك حين تقرر قراءتها وفتح غلافها الأول، فإنك تقرر تحرير أبطالها ليحتشدوا أمامك، فتبدأ بحضرتك حفلة الثرثرة، تماما كما يحرر مارد حشر في قمقم لسنوات، أنت تحرر أبطال القار بلونهم الممقوت وهويتهم المرتبكة من قمم حيهم النزق الذي حشروا داخله.
يرقصون في ذات المكان الذي تقرر به فتح الرواية، يخرجون، يثرثرون، يمجون سجائرهم بحضرتك، يحاولون شرح ذاك الارتباك، في فصول ثلاثين، يعطون نصيب الأسد منها مناصفة بين سحر بياض بذاتها المطحونة وجمالها المسفوك تحت أقدام رجل أسود، وعبده عطفان الرجل الأسود الذي حظي بزوجة جميلة كسحر بياض لم يكن ليحلم يوما بها. ليتناوب بقية البشر المرتبكين في سرد تفاصيل سوريالية لحي لجم إنسانيتهم لسنوات في مجتمع مربك حد القلق.
متشاركين هم في عشرة فصول باقية، ينزوي كلٌ منهم في داخل فصل يثرثر بأريحية داخله، ويحاول أن يزيح ارتباكة ليدفعه بحنو داخل عقل وفكر القارئ المستسلم لعبور الكلمات داخلة.
في القار، أبدع علوان السهيمي في تجسيد الحالة النفسية لكل بطل من شخوصه. علوان السهيمي من الروائيين الذين يملكون ذكاء خاص في توظيف شخوص رواياتهم، ذاك الذكاء بحد ذاته (ملكة) لا يتقنها إلا ندرة من الروائيين.
بعيدا عن القار، لم تأتِ رواية القار بقفزة فوق رواية “الأرض لا تحابي أحدا”، العمل السابق للروائي، فكل رواية للكاتب بنظري يجب أن تكون قفزة فوق سابقتها، لكن القار لم تقفز على الأرض لا تحابي أحدا، بل جاءت متماهية معها، وإن كانت الأفضلية للأرض لا تحابي أحدا.

