“إن غابو (ماركيز) ببساطة هو أعظم كولومبيّ على الإطلاق”، هذا ما قاله رئيس كولومبيا في العزاء الذي أقامه المعهد الوطني للفنون الجميلة في المكسيك بعد وفاة الروائي غابرييل غارسيا ماركيز، عندما حضر العزاء رفقة رئيس المكسيك في ذلك الوقت، وذلك نقلا عن رودريغو غارثيا ماركيز، الابن الأكبر للروائي الكولومبي.
جاء ذلك في كتاب “في وداع غابو ومرسيدس” الذي كتبه رودريغو وتحدث فيه عن أبيه وأمه. صدر الكتاب بترجمة أحمد شافعي عن دار أثر للنشر والتوزيع.
إن تلك العبارة التي أطلقها الرئيس الكولومبي ربما تكون إجابة مكتملة عن سؤال: ما جدوى الكتابة؟ هذا السؤال الذي يطرأ على ذهن كل كاتب وكاتبة في هذا العالم في لحظة ما، ليس لأن من أطلق هذه العبارة رئيس دولة، إنما لأن هناك إنسان ما في هذا الكون مقتنع تمام الاقتناع “بأنك أعظم إنسان على الإطلاق”.
هذا الكتاب تحدث عن فترة مرض ماركيز، وأيامه الأخيرة بعدما تعب وأصيب بالخرف، لكنه كتاب مكتوب بحرفية عالية، بتلك الطريقة التي نقرأ بها ماركيز نفسه، رغم أن الكتاب مكتوب من قبل ابنه الأكبر، لكنه يعطي دلالة على أن ماركيز كان ساخرا على المستوى الشخصي، وعميق في علاقته مع الحياة والناس، وأعتقد بأن الكتاب لم يأت على كل شيء، إنما وثّق مرحلة زمنية قصيرة في حياة هذا الروائي.
إنه تلك العلاقة الملتبسة بين الأب كأب، وبين الأب كشخصية عامة، ولطالما كنت أتساءل: كيف هي علاقة الأبناء بآبائهم المشهورين؟ وكيف يكون التعامل بين الأب المشهور والفنان وبين أبنائه؟ لكنني لم أجد إجابة شافية عن هذا السؤال حتى بعد الانتهاء من القراءة.
ما يثير الدهشة حتما بأن ماركيز قبل أن يدخل إلى غرفة الحرق، قامت فتاة شابة بالعمل على وجهه بأدوات التجميل، ليظهر متأنقا، وكأنه كان يريد مقابلة ما بعد الموت وهو في كامل زينته. إنها فكرة شاعرية بكل تأكيد، لكنني صرت أتخيّل مشاعر تلك الفتاة التي كانت تعمل على وجه رجل رحل، وكيف يمكن أن نحاول تجميل تلك الوجوه التي فقدت روحها، لأن بعد الموت لا يغدو للجمال معنى أصلا.
ما يثير الغرابة أيضا أن ماركيز حرق ولم يدفن، وجمع رماد رفاته في جرّة وضعت أمام الملأ بعد ذلك ليتأملوها، إن شيئا مثل هذا يعطي للحياة معنى أقرب للتفاهة منها إلى الخلود. فأن تكون في جرّة موضوعة في زجاجة، في مكان فخم ومرتب، وتكون فرجة للناس، أمر في غاية البؤس، إنها المحاولة الأخيرة للخلود، بالطريقة الأكثر كاريكاتورية في العالم.
من الأشياء الغريبة التي تحدث عنها الكتاب أن ماركيز لم يكن يحتفظ بمسوّدات أعماله التي لا يقتنع بها، فكان يدعو ابناءه ليقوموا معه بتمزيق تلك المسودات كي لا يستطيع أحد الوصول إليها بعد ذلك، رغم أن “مرسيدس” زوجته حاولت أن تحافظ على تلك المسوّدات في لحظة ما، لقد كان ماركيز صارما تجاه ما يكتب، وأعتقد بأنها أنسب طريقة للحفاظ على صورة الكاتب كما ينبغي لها أن تكون في نظره.
إن هذا الكتاب على صغر حجمه يحاول إفهامنا إلى أي مدى هي الحياة قصيرة وتافهة، وخاصة عندما بدأت تتفلت ذاكرة ماركيز، وهو يحاول مقاومة ذلك لأجل أن يكتب، لكنه ينصاع أخيرا إلى الهزيمة التي ألحقها به الزمن، فنحن نستطيع أن نخلق حيوات عدة على الورق، لكننا في لحظة متأخرة، ندرك أي معنى لضآلتنا تجاه تقادمنا في السن.
“ماركيز” أعظم كولومبي على الإطلاق!

