الفن بطبيعته يتمرد على القوالب والقوانين، إنه تلك القدرة على تجاوز المألوف، للوصول إلى مناطق جديدة، تثير الدهشة والجمال في أنفسنا.
هذا أول ما تبادر إلى ذهني بعدما انتهيت من كتاب عائشة مختار “الريح لا تستثني أحدا” والصادر على دار حياة للنشر التوزيع، والتي يملكها الجميل حجي جابر.
أتذكر أنه في معرض الرياض الأخير قابلت حجي لأول مرة. كان غريبا أن نتحدث مع بعضنا بحميمية كبيرة، ونحن نلتقي للمرة الأولى، لكنني كنت على تواصل دائم معه طوال السنوات الماضية، حتى ظنّ هو بأننا التقينا من قبل.
ناولني حجي هذا الكتاب وقال: “لا يفوتك هذا العمل”، فعندما قرأت بأنه قصص لم يثر في داخلي أي اهتمام. عدت إلى تبوك، وانشغلت بقراءة بعض الكتب والروايات، والدراسة، لكنني وقفت عصر اليوم أمام مكتبتي، فوجدت هذا الكتاب أمامي، لقد كان قدرا أن يكون أمامي في هذا الوقت بالتحديد، تصفحته، أثارتني الصفحة الأولى ثم الثانية، وبعد ذلك جلست أمام مكتبي وبدأت في القراءة حتى انهيته في جلسة واحدة. إن للكتب أقدار تشبه البشر تماما.
لقد كان العمل متفوّقا في شكله، متجاوزا لما نعتقده، ونتوقعه، إنه المعنى الحقيقي لأن يكسر الفن أفق توقعنا، وحتى هذه اللحظة لم أستطع تمييز الشكل النهائي له، فلم أقدر على تصنيفه. كان لديه تلك الهالة الكبرى في أن يسيطر عليّ بجماله الآسر. إنه عمل مكتوب بعناية فائقة، يجمع نصوصا متفرقة وقصصا مختلفة لكنها تصبّ في عالم واحد، أعتقد بأن وضع القصص داخل النصوص لم يخطط له، إنها مرتبة بعشوائية الفنان الذي يدرك بأن هذه القصة ينبغي أن تكون في هذا المكان، في هذا المكان بالتحديد، دون أن يعرف لماذا؟
إنه عمل يستفز الحواس، فبلا شك ستتحسس أذنيك، وأنفك، وعينيك أثناء القراءة، لأنه يقول تلك الأشياء التي تسمعها، وتشمّها وتراها لأول مرة.
إن كل شخصيات هذا العمل بلا أسماء، وكأن الكاتبة توحي بأن أسماءنا ليست ذات أهمية بالشكل الكافي، إزاء تلك الصفات التي تلتصق بنا في الحياة، وتكون قدرنا فيما بعد. أتذكر الآن جيدا عندما كنت أعيش في حيّنا القديم، وهو أحد أقدم الأحياء وأفقرها في تبوك، عشت فيه سنوات طويلة من عمري، كنا ننادي بعضنا البعض بألقاب وصفات – لم تكن جيدة على الغالب – وكنا نعرف بعضنا البعض بهذه الصفات، حتى التصقت بنا، وصارت جزءا منا.
إن هذا النص الطويل بكل حكاياته وقصصه جاء ناضجا، رغم أنه العمل الأول للكاتبة، فقد ولدت هذه الكاتبة ناضجة منذ اللحظة الأولى، كأن تخرج من بطن أمك وأنت في عمر الثلاثين، وهذا قدر الموهوبين الذين يكتشفون فجأة بأنهم قادرون على إثارة الدهشة في أنفسنا بجمالهم، وهم لا يعلمون ذلك.
كتبت عائشة هذا النص بلغة فاتنة، وتحدثت عن الرجل – هي المرأة – بكل واقعية، فشعرت بأنها تكتبنا بشكل جيد، ويتضح عند الانتهاء من العمل بأن هذا النص كتب في فترة وجيزة، لأن اللغة هي ذاتها، منذ الصفحة الأولى حتى الأخيرة.
أعتقد بأن المشهد السعودي كسب موهوبة جديدة، لو استمرت بكل هذه الجدية، والعفوية أيضا، ستنتج أعمالا لافتة، لكنني أتمنى أن تستمر عائشة في إدراك أنها ليست موهوبة كما ينبغي، أن تبقى متشككة في كل ما تكتب، لأن الشك هو الوحيد القادر على أن نقدّم أعمالا عظيمة فيما بعد.
القوالب ليست كل شيء!

