ابتسام المقرن
قد تظن أن رواية «هجمة واعدة» للكاتب السعودي علوان السهيمي مجرد رواية عن كرة القدم، لكنها في الحقيقة رحلة إنسانية عميقة. رحلة شاب يطارد حلمه حتى أنسته المدينة نفسه، وعلّمته أن النجاح السريع قد يخفي وراءه خسائر لا تُعوّض.
«وليد» شاب موهوب، قادم من أحد أفقر أحياء مدينة تبوك، ويوقّع عقدًا احترافيًّا مع أهم أندية مدينة الرياض، فتفتح له الشهرة أوسع أبوابها.
تردّدت كثيرًا قبل قراءة هذا العمل لأني لست من محبي كرة القدم، ولا أعرف أسرارها وخباياها، وما إن بدأت القراءة شدني العمل بلغته السلسة ومعالجته الاحترافية. يبدأ العمل بمشهد مؤثّر وافتتاحية ذكرتني بـ«غريب» ألبير كامو. يقول اللاعب «وليد»: «بمجرّد أن عدت إلى البيت ماتت أمّي». من أول جملة ينجح الكاتب في الإمساك بي، وكأني أشاهد مباراة سجّل فيها السهيمي هدفًا منذ الدقيقة الأولى.
يكتشف «وليد» موهبته، ويسعى لتنميتها على ما تلقاه هذه الموهبة من مآلات مختلفة في زمن تطغى عليه مفاهيم الشهرة والمشاهير. ولأن الرواية بدأت بمشهد النهاية، ستقرؤها وأنت تحدوك الرغبة في معرفة كيف انتكست موهبة «وليد» ويصل إلى ما وصل إليه، وكيف تحوّلت هذه النجاحات إلى خسارة كبرى لا يمكن تعويضها أبدًا، وستأسف على لاعبٍ يجيد اللعب داخل المستطيل الأخضر، لم يقدر على مراوغة الناس والتعامل معهم بذكاء، كما كان يؤكد بثقة: «صانع الألعاب لا يحتاج إلى العضلات، إنما يلزمه الذكاء والمكر».
إن كنت مهتمًّا بكرة القدم، ربما ستستمتع بتفاصيل اللعب وما يدور بين اللاعبين من أسرار وأحاديث، وإن كنت لا تعرف الكثير عن الكرة، فـالسهيمي سيأخذك في جولة ممتعة، تكتشف فيها عالمًا جديدًا ومدهشًا في تفاصيله التي عرضها بذكاء لا يشعرك بالملل. والرواية جاءت بضمير المتكلم، يأخذنا البطل معه في رحلة منذ طفولته وبداية موهبته التي انتبه لها معلم التربية البدنية في المرحلة المتوسطة، وتنبأ له بمستقبل زاهر: «راح تكون لاعب كبير، أنت موهوب، لكن لا تدفن نفسك في تبوك». فينقل لنا مشاعره بعد انتقاله للرياض، وكيف شاهد هذه المدينة الضخمة التي لا يعرف فيها سوى شقته ومقر النادي.
يغوص الكاتب في تفاصيل حياة اللاعبين، وتمارينهم الرياضية، ومبارياتهم، وسفرياتهم التي قد تكون الأولى لهم مع ناديهم. فَتحتْ كرة القدم لـ«وليد» آفاقًا ومنحته فرصًا ربما لم يكن يحلم بها يومًا، وعاش حياة الثراء التي عزّزت طموحه، وأصبح فجأة محط أنظار الجميع في حله وترحاله. تراوده قناعة بأنه لا يقلُّ شأنًا عن ميسي طالما أن الكل يسأل عن أخباره ويسعى لالتقاط الصور معه ويلاحقه في كل مكان.
يرافق القارئ البطل في رحلة داخليّة، ويرصد أثر النجاح المفاجئ فيه، وكيف تحولت شهرته المرغوبة إلى قيدٍ يجعله يشعر وكأنه في سجن صغير، في مفارقة واضحة مع صخب المدينة. ومع أن القصة تحكي سيرة لاعب كرة قدم، فجوهرها ينطبق على أي شخص يلاحق حلم الشهرة -مطربًا كان أو ممثّلًا أو كاتبًا أو مؤثّرًا على مواقع التواصل- ليجد نفسه في النهاية أمام المأزق نفسه ويقع في الفخ نفسه.
«هجمة واعدة».. رواية عن الضوء الذي يغوي، والمدينة التي تبتلع، والملاعب التي لا تكفي وحدها لصنع الإنسان.
كيف تغيّرنا المدينة؟
انتقل الكابتن «وليد» من قريته الصغيرة إلى مدينة كبيرة، لا يحمل معه من الزاد سوى حلمه وموهبته التي تسري في ساقيه. ومع بزوغ نجمه، يلتقي بحبيبته «ثريا» التي تلقبه بـ«صانع الألعاب الوسيم».
جاء إلى الرياض مطارِدًا حلمه، بينما انتقلت «ثريّا» إلى لندن لتطارد بدورها حلمها، وتكمل دراسة الماجستير. ويحاولان، في خضم انشغالاتهما، تحيّن أي فرصة للقاء. ولم يطُل الأمر ليكتشف «وليد» أن لندن غيّرت حبيبته وأحدثت شرخًا في علاقتهما، ولم ينتبه أن الرياض قد غيّرته أيضًا.
يستحضر «وليد»، خاصة في بداية علاقته بـ«ثريّا»، صورة والدته وما ستقوم به لو علمت عن أمر علاقتهما، كما يستحضر ذكرى والده الراحل، الذي لو كان حيًّا لما وافقه على أحلامه. بدا وكأنّ استحضاره لوالديه لم يكن سوى صوت ضميره الذي خفت حين علا ضجيج الشهرة. فالمدينة لا تمنحك شيئًا إلا بعد أن تأخذ منك الكثير؛ بضغوطها الاجتماعية وسيطرتها على حياة لم تعُد ملكك، وقدرتها على محو ذاتك التي بدأت تتلاشى وتذوب وسط ضوضائها.
القرى هل تُنبت الأبطال؟
تطرح «هجمة واعدة» سؤالًا مؤلمًا: لماذا يُعامَل الطموح الآتي من القرى معاملة الطارئ؟ ولماذا يُفترض أن يكون النجاح حكرًا على من نشأ في بيئة حضارية؟ فهذا التحيّز لا يُضعف الموهبة فقط، بل يخلق شعورًا داخليًّا بالدونية لدى صاحبها، يجعله في صراعٍ دائم لإثبات ذاته بدل التفرّغ لصقلها. وربما تجعل أبناء القرى يخشون الأحلام، ويفترضون مسبقًا أنهم لن يحظوا بفرصة لمزاحمة أهل المدن، ويتهيّبون بدء المغامرة مخافة العواقب التي قد تتضاعف في حالتهم.
ما يأتي سريعًا، قد يذهب سريعًا.
لم يدرك الكابتن «وليد» أن شهادته قد تكون الركيزة الصلبة التي يعتمد عليها قبل خوض غمار الشهرة. ترك الدراسة، متجاهلًا حلم والده الراحل بأن يصبح معلمًا، واستجاب لإغراء المال، إذ بات راتبه الشهريّ يعادل مرتب تسعة معلمين في شهر واحد. ولكن بعد عامين من النجاح والشهرة، يدرك أن الطريق السريع نحو القمة، وإن كان مختصرًا، قد يكون محفوفًا بالعثرات والمكائد. فالمدرسة التي هجرها لم تكُن مجرد فصل وكتب، بل كانت فضاءً للتأهيل الحقيقي، تزوّده بأدوات تساعده على تحقيق التوازن والتأقلم مع التحديات، حتى لا يجد نفسه مجرد جسدٍ وموهبة، أعزل في مواجهة المكائد.
لا يدين الكاتب الطموح في «هجمة واعدة»، ولا يقلل من شأن الأحلام والرغبة في النجاح، ولكنه يحذّر من اختزال هذا الطموح في الشهرة وحدها. والذكيّ من استشرف ما تخفيه الشهرة من نوائب وعمل على تحصين نفسه منها بالكد والعمل والحيطة.
المؤامرات الخفية والخذلان
قد تكون الشهرة بريقًا يخطف أبصارنا بعيدًا عن الحقيقة، فهي قد تخفي في ظلالها خيانات ومؤامرات تأتي أحيانًا ممن نظنهم الأقرب إلينا. لم يكُن «وليد» يتوقع أن أول من سيغدر به هم من منحهم ثقته، أولئك الذين فضّلوا طواعية مصلحته على مصالحهم، أو هذا ما ظنه في البداية. فالعدو الذي تعرفه يسهل الحذر منه، إذ يمكنك رؤية الشر في عينيه، وتأخذ حذرك، أما من يظهر لك المحبة والإيثار، وفي الخفاء يراك تهديدًا لمكاسبه الخاصة، فهذا غالبًا ما يتحين الفرص ليتلاعب بك، ولن تستطيع التمييز في أفعاله بين الود الظاهر والاستغلال المتقن.
استهلّ الكاتب فصول عمله باستشهاداتٍ تجد أصلها في لعبة كرة القدم، التي لم تعُد مجرد مستطيل أخضر، بل قدمها الكاتب في متتالية من مشاهد إنسانيّة، منح فيها الصوت لكل عضو في فرقة كرة القدم وعشاقها والعاملين في مجالها، ليقدموا وجهات نظر تتجاوز اللعبة لتشمل كل مناحي الحياة.
ومع نهاية «هجمة واعدة»، لا نغادر الرواية ونحن نحمل قصة لاعب كرة قدم فحسب، بل نحمل تأملات عميقة؛ عن الإنسان والحلم والخذلان والمدينة التي قد تسرقك من نفسك دون أن تدري.
يراوغ الكاتب قرّاءه ولا يكشف كل أوراق اللاعب الذي يتحدث عنه، ولا يحدّد الفريق الذي ينتمي إليه، تاركًا المجال للتخمين مع كل مناورة، ويجعلك في كل مرة تخمّن فريقًا ما. ولكن الكتابة سمحت بتسلّلات أَسقطت سهوًا بعض الكلمات ساعدت القارئ على ربط الخيوط ليعرف قصد الكاتب، فقد تسلّل اسم أحد الفرق المنافسة، كما تسلّل اسم أحد زملاء البطل.
أخبروني إذا قرأتم الرواية: هل عرفتم عن أي فريق يتحدث؟

