نكتشف نحن البشر – آخر ما خُلق على هذا الكوكب -أشياء كانت موجودة قبل أن نكون شيئا مذكورا، فلا نملك إلا أن نتابع بذهول الأطفال المسار الذي سلكته الموجودات قبل وجودنا”.
وردت هذه العبارة في كتاب “ذكاء الأزهار” لموريس ميترلينك الصادر عن مشنوات حياة عام 2023، هذا الكتاب الذي يتحدث فيه الشاعر والمسرحي البلجيكي عن كيفية حياة الأزهار، ومدى ما تحمله من ذكاء في صراعها لأجل البقاء، وعبير هذه الأزهار.
إن تلك العبارة في الأعلى تشير مباشرة إليّ – وأعتقد بأن هناك الكثير مثلي – نحن الذي لم ننتبه لوجود هذه الكائنات إلا مؤخرا، فنعترف بطفوليتنا تجاه ما كانت تقوم به قبلنا بملايين السنين.
لفترة من الزمن كنت أتابع بعض القنوات الوثائقية التي تتحدث عن سلوك الحيوانات وطريقة عيشها، وكنت أصاب بالدهشة لقدرة هذه الكائنات على التكيّف مع الطبيعة، لأصل إلى قناعة بأنه لكل حيوان ميزة خاصة، وجدت فيه لتجعله قادرا على المضي قدما في هذه الحياة لأطول فترة ممكنة.
وبعد أن قرأت هذا الكتاب انتقلت هذه القناعة مباشرة للأزهار، وكل النباتات الأخرى، فلكل نبتة طريقتها الخاصة في التعامل مع معركة الحياة القاسية أحيانا للبقاء لأطول فترة ممكنة.
إنه كتاب يضعك أمام ذلك الذكاء والصراع بلغة شاعرية فاتنة، ويحاول أن يرسم صورة لكل النباتات التي تراها من حولك لكنها لا تلفت انتباهك، فالغرور البشري هو ما يجعلنا أحيانا لا ننتبه لكل المخلوقات حولنا، وكأننا محور الكون، لنكتشف فجأة بأننا مقارنة بتلك الكائنات، مخلوقات تمتلئ بالجهل.
الطريف في هذا الكتاب ما تحدث عن الشاعر البلجيكي عندما تحدث عن “عبير الأزهار” في الجزء الثاني من الكتاب، وكان جزءا صغيرا مقارنة بالجزء الأول، عندما أطلق على حاسة الشم بأنها “حاسة الرفاهية”، إنه مصطلح في غاية الطرافة والدقة، فنحن نتعامل مع أنوفنا بشكل جيد إذا ما أردنا أن نخوض مغامرة فيها الكثير من الرفاهية، إنها حاسة لا تتعلق ببقائنا، إنما برفاهيتنا.
إنه كتاب جدير بالقراءة.
الشم حاسة الرفاهية!

