الصمت كثيمة كبرى!

  • ما الذي يدفعنا للثرثرة؟
  • بلا شك هو الصمت المطبق!

تبادر إلى حوار خيلي كهذا بين شخصين عندما انتهيت من رواية “عزيزتي سيلين” لرامي حمدي، والصادرة عن دار نهضة مصر هذا العام، تلك التي كانت ترافقنا فيه سيلين ديون طوال الرواية.
في الحقيقة لم أكن أعرف “سيلين ديون” قبل قراءة هذه الرواية، لكن هذا العمل دفعني للبحث عنها، والتقنية الروائية التي انتهجها المؤلف حينما وضع روابط في بداية الفصول لبعض أغاني هذه المغنية الكندية، أعطتني المساحة لاستمع لبعض أغانيها. في الواقع هي تملك صوتا عذبا بلا شك.
إن هذه الرواية قائمة على الصمت كثيمة كبرى، لكنها في الوقت ذاته كُتبت بتفاصيل مهولة، وكأن المؤلف يتبرأ من ذلك الصمت المطبق على بطلة الرواية بكل هذه العرامة في ذكر التفاصيل، بلغة بديعة، وهذا ما يلاحظ على النص منذ البداية، تنوع كبير في المفردة، وقدرة هائلة على الانتباه للتفاصيل.
إنه نص لغوي بامتياز. فقد استطاع حمدي أن يتلاعب باللغة، وأن يقول كل الأشياء، حتى لو بدا في بعض المقاطع بأن ثمة تكرار ما، وأتصور بأنه هذا ما قصده الروائي منذ البداية، ما يعني بأنه يملك ذخيرة لغوية فذة.
إن هذه الرواية تنقل لنا عالمين مختلفين لشخصية واحدة، البطلة التي تخاطب سيلين ديون طوال العمل، وتعيش في صمت مطبق أمام جثة والدها الذي مات في شقته، وأبقت حقيقة موته سرا لتبقى معه أطول فترة ممكنة، وتجربتها في أحد المصحّات في دولة الهند للتشافي مما تمر به روحيا وعضويا.
في كل العالمين تمر البطلة بحالة من الصمت نظير ما تجرّعته، فلم تجد في النهاية إلا أن ترسل رسائلها إلى سيلين ديون للتعبير عما في نفسها، وما مرّت به، وتسرد لها وقائع حدثت لها ولأسرتها بشكل غير مرتب زمنيا، لقد كانت حالة من التذكر المستمر طوال العمل إزاء ما واجهته هي وما واجهته أسرتها، ولا تجد إلا الرسائل لتفرّغ فيما ما تتذكره.
إنها رواية تشعرك بالامتلاء، وهنا لا يمكن الجزم: هل هذا الأمر كان شيئا جيدا في النص أم لا؟ لكنك حين تقرأ صفحتين أو ثلاث، فستحسّ مباشرة بأنك قد قرأت عشرات الصفحات، وهذا هو الامتلاء الذي تشعرك به هذه الرواية، فهي مؤثثة جدا بالتنوع اللغوي، والتفاصيل، وكأن هذا التنوع مقصود في بعينه، وهو محاولة التبرؤ من الصمت المطبق بالحديث الطويل الذي يحاصرك من كل مكان.
إنه النتيجة الحتمية لذلك الحوار الذي كتبته في الأعلى، فالتنوع الكبير، والثراء اللغوي، والتفاصيل الهائلة هي نتيجة للصمت المطبق الذي مُسّت به بطلة هذا العمل. إن هذه الرواية هي النص الثاني الذي أقرأه للروائي “رامي حمدي” بعد كتابه: “مختصر جمال العالم”، ذلك الكتاب الذي بُني على فكرة فريدة من نوعها، وأعتقد بأن هذه التجربة جديرة بالقراءة، وخاصة لأولئك الذين لا يحسّون بالامتلاء بشكل سريع!
أعود وأكرر بأن تجربة الجيل الشاب من الكتّاب والكاتبات المصريين، (ورامي حمدي واحد منهم) تتميز بشيئين: توظيف اللغة بشكل كبير في النصوص، فلم تعد “الحدوتة” هي المسيطرة، إنما صارت اللغة جزء أساسي في تكوين النصوص والأعمال، والعمل عليها بشكل بديع، والأمر الآخر: التجريب، فقلما تجد كاتبا/ كاتبة مصري/ مصرية يصدر رواية في الفترة الحالية تسرد بشكل كلاسيكي، إنما لابد أن تتميز بتجريب ما، من حيث الشكل أو من حيث البنية، وهذا أمر مثير للاهتمام.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.