اللغة هبة سماويّة

‏اللغة هبة سماوية. إنها شيء إلهي!
‏عندما تفكّر في اللغات، تقف عاجزا أحيانا في تفسير تلك الدقة الهائلة التي يتعامل بها البشر مع الأصوات التي يفهمون بعضهم بعضا من خلالها. لذا أحسّ بأنها شيء لا يمكن تفسيره مثل الموت تماما.
‏قرأت مؤخرا كتاب “غيرة اللغات” للروائي الأرجنتيني أدريان ن. برافي والصادر عن دار فواصل للنشر والتوزيع بترجمة: أمارجي، وهو كتاب يتحدث – في المجمل – عن أولئك الذين يجيدون لغتين: لغتهم الأم، واللغة المكتسبة التي تعلموها سواء في المهجر، أو المنفى، وقد كان هذا الروائي الأرجنتين أحد أولئك الذين هاجروا من الأرجنتين التي تتحدث الإسبانية، إلى إيطاليا التي تتحدث الإيطالية، وبعد فترة طويلة صار يجيد التحدث والكتابة باللغتين.
‏أنْ يتحدث إنسان ما بلغتين، ويجيد الكتابة بها أيضا أمر يبدو بسيطا للوهلة الأولى، لكنه بشكل أعمق هو أمر في غاية الصعوبة؛ لأنه يؤثر على تفكير ذلك الإنسان، ومدى قدرته عن التعبير عن نفسه، وأيضا مدى تأثره أثناء الكتابة أو الحديث.
‏إن هذا الكتاب يؤكد على أن اللغة ليست أصواتا نعبر بها عن أنفسنا وحاجاتنا فحسب، بل هي هويتنا، وطريقة تفكيرنا أيضا، فنحن مسكونون باللغة التي تمثل ذاتنا، فكل لغة دخيلة لا يمكن أن ترتقي لتشكّل وعي الإنسان وهويته مهما كان مجيدا لها.
‏يحكي الكتاب قصصا عديدة عن أولئك الذين تربّوا على لغة، واضطروا بعد ذلك لهجران أوطانهم ليعيشوا في مجتمعات تختلف عنهم في اللغة، وحاولوا أن يتعلموا تلك اللغات، ومن ثم كتبوا بها، لكنه في كل مرة يشير إلى أن ثمة شيء ناقص، مهما وصل الإنسان من الإجادة للغة الجديدة.
‏إن لغتنا الأم تدفعنا للتفكير بطريقتها الخاصة، فكل لغة لها طريقة تفكير معينة، وقد نواجه صعوبات عدة في التعبير عن أنفسنا بلغة ثانية، لأننا حين نعبّر بلغة أخرى، فنحن نعبّر بها من خلال طريقة تفكيرنا التي تربّينا عليها، وهذا شيء يتنافى مع طبيعة اللغات أصلا، فاللغات تنشأ ومعها طريقة تفكيرها التي ينبغي أن نراعيها أثناء تعبيرنا بها.
‏إن كتاب “غيرة اللغات” يفسّر لنا تلك الحالة من عدم التأثر التي تنتاب القارئ بعد قراءة نص مترجم، فحتى اللغات لها طريقتها الدقيقة في التأثير في الآخرين، وبالتالي فنحن عندما نقرأ نصا مترجما لا يكون له تلك الدقة العالية من التأثير فينا؛ لأنه خرج من دائرة التأثير التي خلق فيها، ليجد له مكانا في لغة، وفي طريقة تفكير أخرى.
‏أتذكر بأنني قرأت رواية مترجمة مؤخرا، بعد أن أشار الناشر في غلاف الكتاب بأنها رواية “ساخرة”، لكنني لم أتقاطع مع السخرية في العمل، فلم يكن من المترجم إلا أن بدأ في تفسير السخرية في الهامش، وبدأ يشرح النكات الواردة في النص، ليأتي هذا الكتاب ويجيب عن سبب عدم تأثري بالنص، ذلك أن كل لغة لها طريقتها الخاصة في التأثير.
‏قد تغدو اللغة عدوا للإنسان إذا ما كانت سببا في هلاكه، وهذا ما أشار له المؤلف في الكتاب، خاصة مع تلك الدول التي عانت من الحروب والويلات، ولم ينس بأن الإنسان سجين للغته، فمهما حاول أن يتخلّص منها، أو أن يعبّر بلغة أخرى، إلا أنه سيشعر في لحظة ما بأنه مسكون بلغته الأم، وسجين لها، وسيظهر ذلك حتى في كتاباته باللغة الجديدة.
‏إنه كتاب من أجمل الكتب التي قرأتها مؤخرا، لأنه يسلّط الضوء على نقطة مهمة بشيء من التحليل، تلك النقطة التي لا ننتبه لها، ولا ينتبه لها أغلب الناس، وذلك بأن الأصوات التي تخرج من أفواهنا للتعبير عن حاجاتنا، هي في الواقع ليست فقط أصواتا وحروفا وكلمات، إنما هي نحن: بذاكرتنا، وهويتنا، وطريقة تفكيرنا، ولن ننتبه لها حتى ندخل في غمار تجربة صوتية ولغوية جديدة، عندها سندرك إلى أي مدى نحن نعاني من الهشاشة.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.