“النصوص” التي نحب!

تنتابني الريبة عندما أقف أمام كتاب نشره صاحبه تحت مسمى “نصوص”.
‏لطالما اعتقدت بأن كتابا كهذا سيضعني أمام خواطر عاطفية، وقصص حب لم تنجح أبدا، فهو في المجمل عبارة عن صرخة عتاب لا متناهي.
‏في الواقع هذا ما شعرت به عندما قررت أن اتصفح كتاب الكاتبة العُمانية منى حبراس “ظل يسقط على الجدار” الصادر في يناير ٢٠٢٣ عن دار الرافدين في بغداد، وجاء في ١٧٤ صفحة.
‏عرفتُ منى بطريقة لا تحدث إلا نادرا، وهذه حكاية يجدر بي كتابتها فيما بعد، ونظرا لتلك الحكاية الغريبة قررت أن أعطيها فرصة، ففتحت الكتاب، وبدأت اقرأ، ولم أتوقف عن القراءة إلا بعد أن انهيت أكثر من نصف الكتاب في جلسة واحدة.
‏حقيقة وفي لحظة ما، أحسست بأنني قسوت في رأيي على تلك الكتب التي يقرر أصحابها نشرها تحت مسمى “نصوص”، فقد استطاعت منى أن تغيّر قناعتي بكتابها الفاتن هذا، هي التي كتبت بلغة السارد المتمكن، ذلك الذي يشعرك بأنه يقوم بكل الأشياء العظيمة بأسهل طريقة ممكنة.
‏لم تكتب كتابها هذا ليكون صرخة عتاب لا تنقطع، إنما أشركتنا معها في طفولتها في القسم الأول، وفي القسم الثاني كتبت بحب عن أولئك الذي صنعوا ذاكرتها، وفي القسم الثالث تحدثت عن بعض المعاني التي كوّنت شخصيتها، ومازالت لصيقة بالذاكرة، وفي الفصل الأخير لم تنس الكتابة كطريقة موازية للعيش.
‏إن هذا الكتاب يحلّق بك لترى قرى عمان، وأحيائها القديمة، للإنسان العماني الذي لطالما شعرنا بأننا لا نعرفه بشكل جيد، فاكتشفنا بأنه يشبهنا تماما، لكل تلك الحكايات التي مررنا بها جميعا في طفولتنا لكننا لم نستطع أن نكتبها بالجمال الذي كتبته منى.
‏إنه كتاب مكتوب بحب، وصدق، وبلا تكلف، لذا هو يخترق روحك فأنت تشعر في لحظات ما بأن كاتبته تجلس بجانبك، تتحدث معك على انفراد أكثر من كونها تكتب.
‏أعتقد بأن أبرز ما يميز هذا الكتاب، أنه يلتقط تلك الأفكار الصغيرة التي لم نتنبه لها ويضعها أمامنا في أجمل حلة ممكنة، فنحن نذكر جميعنا بأننا بدأنا بالكتابة بالقلم الحبر في الصف الرابع الابتدائي لكننا لم نكتب عن تلك الدهشة ونحن نرى الحبر الأزرق والأسود على دفاترنا.
‏ونحن جميعا مررنا بحادثة مؤسفة في المرحلة الابتدائية، لكننا لم نكتب عن غفراننا لمعلمينا، لكن منى فعلت ذلك. فعلته بأقصى درجة من درجات الصدق، وبأسهل طريقة، لكنها آسرة في نفس الوقت.
‏مؤمن أنا بأنني محظوظ جداً بأنني قرأت هذا الكتاب، لأنه من الكتب التي تبقى في الذاكرة، وهذا ما يؤكد بأن وظيفة الأدب أن يؤثر فينا لا أن يعلّمنا.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.