عندما نحب “الرصاص”!

عندما كنت في الثانية والعشرين من عمري، دخلت صحيفة الوطن لأول مرة، لأعمل كمحرر متفرغ في الشأن الثقافي.
‏في اليوم التالي دلّوني على مكتبي بعد أن سلّمت على شاب قصير يرتدي نظارة طبية، كان يجلس في المكتب المجاور. هذا الشاب هو من علّمني كيف أكتب مادة صحيفة مكتملة، وغرس حبه في داخلي، كنبتة لا تموت أبدا.
‏جئت إلى أبها وأنا لا أعرف إلا كتابة مقالات ينشر بعضها والبعض الآخر ينسى للأبد، وخرجت منها بعد أن عرفت كيف يمكن أن تكون صحافيا ثقافيا مميزا، كل ذلك بفضل زملائي في القسم وذلك الشاب الذي يرتدي نظارة طبية كان في مقدمتهم.
‏ذلك الشاب هو “حسن آل عامر” ‪الذي أصدر مؤخرا عن دار أدب روايته الأولى “رصاص في بنادق الآخرين”. هذه الرواية التي ادهشتني بمقدار جمالها وعذوبتها رغم أن الموت كان مسيطرا عليها من كل جانب، فهل يمكن أن يكون الموت عذبا؟ أعتقد ذلك؛ إذا كتب عنه حسن آل عامر بكل تأكيد.‬‬‬
‏هذه الرواية التي لم تتجاوز الـ ١٥٣ صفحة كانت قادرة على جلب الحكايات الدفينة في ذاكرتنا، واستثمار التاريخ بطريقة يغدو معها أكثر جمالا. تاريخ عسير المرير مع الاتراك، تاريخ الرق والعبودية، تاريخ تلك الصراعات الصغيرة التي تحدث في القرى وربما يكون نتيجتها جرح لا يبرأ على الإطلاق، وتلك الأيام التي كان فيها رأي الناس أهم من الآلام والأوجاع التي يتجرعونها كل يوم كجزء من همّهم اليومي.
‏جاءت هذه الرواية محملة بكل ما يحيط بتاريخ عسير عبر حكايات نعرفها نحن أهل الجنوب جيدا، لكننا لن نستطيع أن نكتبها بمثل ما كتبها حسن. ‏أتصور بأن هذه الرواية جاءت لتعيد القرية لمكانها السابق في الرواية السعودية، وتكتب التاريخ بأكثر مهارة ممكنة.
‏شكرا يا حسن، لأنك اهديتني هذا الجمال الذي أعتقد بأنه لن يفارقني لمدة طويلة.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.