البداوة التي لا أعرفها!

رغم أنني ولدت، وعشت كل حياتي في مدينة (تبوك) التي أتصور بأنها جزء من تاريخ بداوة الصحراء في شمال المملكة العربية السعودية، إلا أنني مع المضي قدما في قراءة رواية “المزهاف” لخليف الغالب، والصادرة عن دار تشكيل، اكتشفت بأن ولادتي، وكل سنيني التي قضيتها هنا لم تساعدني أمام كمية المحلية والبداوة داخل هذا النص، فكثير من المصطلحات، والعادات التي ذكرها الكاتب في داخل هذه القصة لم أكن أعرفها، وهذا يعطي دلالة بأن خليف الغالب بدوي بامتياز، يعرف جيدا تاريخ الصحراء وحكاياتها وتقاليدها، وعاداتها، فمنذ الصفحة الأولى من العمل ستكتشف بأنك تدخل في حكاية بدوية خالصة.
أكثر ما كنت أخشاه قبل قراءة هذا العمل أن أقرأ شعرا، خاصة بأن خليف شاعر جميل قبل أن يكون روائيا، وهذه الخشية تنطلق من أنني لو كنت أريد قراءة الشعر لفتحت ديوان شعر وليس رواية، لكن ما حدث كان العكس تماما، إن هذ الرواية سردية بامتياز، فهي تعتمد على الحكاية، ولا شيء غير الحكاية، فالكاتب رغم أنه شاعر، إلا أنه لم يتورط في كتابة الشعر، إلا من بعض الأبيات التي يوظفها الكاتب داخل النص لدلالة ما.
إن رواية “المزهاف” تمتاز بشيئين أساسيين: أولهما: الجمل القصيرة، وأكاد أجزم بأن الرواية منذ الصفحة الأولى وحتى آخر صفحة لم يرد فيها أي جملة سردية طويلة، إنما كان الاعتماد الكبير على هذه الجمل القصيرة، وثانيهما: التخفف من اللغة لدرجة قد تستغرب أحيانا بأن الروائي هو شاعر في الأساس، فكان هناك تخفف كبير من اللغة لتكون سردية أكثر، تدفع السرد للمضي قدما، ولا تحاول أن تعطّله بأي شكل كان، وهذا الأمر يجعلني أستغرب كيف استطاع الروائي أن يتنصل من شخصية الشاعر طوال هذا العمل؟ إنه عمل شاق بكل تأكيد.
الرواية ظهرت متماسكة، كل جزء منها يريد أن يقدّم وظيفته داخل النص، وهذا يعطي دلالة بأن “الغالب” اشتغل على هذا الموضوع كثيرا، وبالتأكيد فهذا العمل هو العمل الروائي الثاني له، ومن المؤكد بأنه سيتجاوز هنّات التجارب الأولى إن كان هناك هنّات أصلا، مع العلم بأنني لم أقرأ روايته الأولى.
كنت أنتظر أن يستثمر الروائي “عمق الصحراء”، فالصحراء لها أبناؤها الذين يعرفونها، ويتأملونها، هي التي دائما ما تمنحهم مساحة من التحديق في الأشياء، فأجواء العمل كانت فرصة جيدة لخلق شخصية متأملة تقدّم لنا فلسفة الصحراء كما يراها البدوي، وكيف يتعاطى مع الكون من خلال هذه المساحة الشاسعة، ويمكن أن يقال من خلالها الكثير من حكمة الصحراء وغموضها.
الرواية جميلة وتستحق القراءة، وهي تجربة تسجّل من الروايات التي كتبت البداوة والصحراء بشكل واضح، والأكيد أن خليف الغالب يعرف الصحراء جيدا، إنه يجعلها تبوح بأسرارها بكل عفوية، وهي المعروف عنها بأنها دائما ما تكون عنيدة في البوح بما تكنّه.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.