“هجمة واعدة”‏.. كرة القدم مجازٌ سردي/ رياضي

د. شتيوي الغيثي

لا علاقة لي بعالم كرة القدم، ولا أعرف أخبارها، أو أخبار لاعبيها، ولا أحفظ أسماءهم إلا من بعض الأصدقاء الذين يأخذهم الحديث أحياناً إلى هذه العوالم، ولا أتذكر أنني شاهدت مباراة كاملة منذ سنوات طويلة. لعل خبرتي مع كرة القدم انتهت مع انتهاء الأسماء الأسطورية القديمة: ماجد عبدالله ويوسف الثنيان ومحيسن الجمعان وصالح النعيمة وفهد الهريفي ومحمد الدعيع وذلك الجيل الذهبي كما يسميه أصدقائي، ولولا وجود كريستيانو في نادي النصر لربما ما عرفت بالتحولات الجديدة التي طرأت على كرة القدم في السعودية.
‏ولأجل ذلك كله، فإنني لم أتوقع أن أستمتع بقراءة رواية حول كرة القدم (وأظنّها أول رواية سعودية وربما عربية على حد علمي في هذا المجال). سبق وأن قرأت قبل سنوات كتاب إدوارد غاليانو: (كرة القدم بين الشمس والظل) لكنني لا أتذكر منه شيئاً الآن إلا فصلاً صغيراً عن حارس المرمى، ولا أعرف لماذا بقي في ذاكرتي حتى هذه اللحظة؟! ربما لأن حراس المرمى عادة ما يكونون على الهامش (وأنا المشغول عادة بالبحث عن الهوامش السردية) كجنود يحرسون قلعتهم إلى آخر لحظة من أنفاسهم، ثم يُنسون وكأنهم لم يقفوا في ذلك المكان سنوات طويلة.
‏المهم أنني قرأت رواية العزيز علوان السهيمي  – وأنا المقصّر في قراءة بقيّة أعماله التي أظن أنها تحتاج إلى وقفات عديدة – : (هجمة واعدة_قصة لاعب كرة قدم) عن دار رشم، والغريب في الأمر أنني استمتعتُ بقراءتها، رغم أنها بعيدة كل البعد عن عوالمي، وعن اهتماماتي، ولعل مرد ذلك إلى أن الكتابة هي فنّ بحد ذاته يمكن أن تجعلك تستمر بالقراءة أكثر، حتى لو كان الموضوع بسيطاً، أو تقطع عليك متعة القراءة حتى لو كان الموضوع كبيراً ويحمل معانٍ كبرى، ودائماً ما كنت أردد أن المعادلة الكتابية الناجحة هي عن (ماذا تكتب وكيف تكتبه)، وأظنّ أن هذا ما تحقق في هذه الرواية، فعوالم الرياضة الكروية البسيطة تحولت إلى عالم مكتملة وموازية للعالم الواقعي، وكأن كرة القدم هي مجازٌ سردي/ رياضي لحقيقة الواقع، إذ نرى كل ما يمكن أن يكون متحققاً في هذا العالم، تلك العلاقات الإنسانية البسيطة أو تلك المعقدة، وتلك الطبقة التي تعيش في أعلى الهرم والطبقات المسحوقة التي تشكل قاعدة الهرم، وتلك التوجسات والهواجس الإنسانية أمام الصعوبات والمعوقات التي تصاحب الباحثين عن المجد، أو حتى تلك الثنائية الصارخة بين مدن المركز ومدن الأطراف، أو إشكالية قفز الهوامش السردية (أندية الحواري في تبوك مثلاً) إلى المركزيات السردية (الأندية الكبرى في الرياض) وكأن هذا العالم الرياضي يأبى إلا أن يكون صورة أخرى عن عالمنا الذي نعيش فيه، أو كأن رحلة اللاعب الشاب وليد هي رحلة كل واحد منا في صعوده وفي خساراته وانتصاراته في هذه الحياة.
‏يقول السارد في أحد مقاطع الرواية: “في عالم كرة القدم كلّ من في أرضيّة الملعب يخشون الجماهير، فحياة اللاعبين والمدربين وأعضاء الأجهزة الإدارية والفنية في كل نادٍ في العالم قائمة على رضى هؤلاء الناس الذين يصرخون في المدرجات، فمن أراد أن ينجح في هذا المجال، فعليه كسب ودّ الجماهير أولاً” ص:87 وأحسب أن هذا السردية الصغيرة تنطبق على السياسيين والوزراء والمثقفين ورجال الدين والمشاهير في العالم أجمع خارج حدود الأندية الرياضية.
‏رواية سلسلة وممتعة وأتمنى أن تنال حظاً من التقدير الأدبي والرياضي على حد سواء.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.