الأدب في مواجهة قسوة الحياة!

“في القدم، كلما سارت أمور المدينة إلى الخراب والهاوية، ولّى أسلافنا وجوههم برجاء وتواضع إلى الرياح القادمة من الغرب”.
هذا هو مطلع الفصل قبل الأخير من رواية الروائي السعودي إبراهيم المكرمي، والتي صدرت مؤخرًا عن دار صفصاف بعنوان: “لا أنا.. لا هو.. لا أحد”.
إن هذا المطلع يوحي بانتظار انتصار الطبيعة على الخراب الذي يحدثه الإنسان في الحياة، وكأنها الخلاص الوحيد المنتظر، ذلك الذي سيأتي حتمًا بشكل أقوى مما يتحمله البشر.
إلا أن الطبيعة لم تنتصر للخراب الذي تمّ بناؤه داخل هذا العمل الروائي القصير، والذي غاص كثيرًا في أعماق المجتمع وصراعاته الداخلية.
يسير هذا العمل الروائي على خطين متوازيين: الخط الأول هو صوت الفتاة الصغيرة التي تحكي قصتها من داخل مجتمعٍ تغلب عليه النزعات الدينية والقبلية في الهضبة الجنوبية، وكيف تسير الحياة وسط الصراعات الاجتماعية والسلطوية، حتى آلت حياتها في النهاية كزوجةٍ لأحد رموز الفساد في الهضبة. أما الخط الثاني، فهو صوت ذلك الشاب الذي غادر والده الهضبة إلى المدينة في محاولة للهروب من واقعٍ لم يعد يحتمله، خاصةً بعد أن قرر أحد النافذين التقدم لخطبة أخته، وما واجهه من صعوبات نتيجة اختلافه عن البيئة التي نشأ فيها.
لقد كانت الفتاة تحكي الصراعات الفكرية والدينية التي تدور داخل مجتمعها، وعلاقة أفراده بعضهم ببعض، بينما كان الشاب يصف ما يواجهه من صراعات خارج هذا الإطار، وكيف يُنظر إليه باعتباره مختلفًا عن الآخرين.
وفي كلا الحكايتين، يزداد الخراب بازدياد صفحات الرواية، وكأن الانقسام لا ينتصر في النهاية. ورغم أن هذا العمل يتناول موضوع الاختلافات الفكرية والاجتماعية، فإنه لم ينزلق إلى الأيديولوجيا ليصبح عملًا مؤدلجًا، بل كُتب بفنية عالية ولغة بسيطة خالية من الافتعال.
إنها المرة الأولى التي أقرأ فيها للمكرمي، لكنه استطاع أن ينقل معاناة الإنسان وسط الانقسامات دون الوقوع في فخ إصدار الأحكام أو التحيّز لفئة دون أخرى، وهو ما ميّز العمل كونه أدبيًا خالصًا.
ورغم أن بطل الرواية الشاب غادر الهضبة إلى المدينة الكبيرة، وحاول والداه الابتعاد عن الصراعات هناك، إلا أنه يجد نفسه في النهاية مضطرًا للعودة إلى جماعته وطلب عونها حين يُحكم عليه بالموت، في تلميحةٍ واضحة إلى أن الإنسان ابن بيئته، يستمد منها قوته وهويته.
إن هذا العمل يعلّمنا معنى الهشاشة أمام قسوة الحياة التي لا ترحم، وأن معتقداتنا التي نؤمن بها وندافع عنها قد تبدو واهية حين تُختبر في واقعٍ لا يعترف بها.
إنه عمل جدير بالقراءة.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.