في بداية العشرينيات من عمري عملت في الصحافة لفترة ليست بالقصيرة.
وأعترف بأن هذه التجربة ألقت بظلالها على تجربتي في الكتابة بشكل عام طوال العشرين سنة الماضية، من حيث إنها علمتني كيف يمكن أن تحرر ما يقع بين يديك، وألا تشعر بملل إزاء النصوص التي لا تعجبك، لأن المنتج النهائي سيخرج وأنت راض عنه تمام الرضا.
لكنني عندما انتهيت من قراءة كتاب “رحلة إلى البلدان الاشتراكية” الصادر عن دار التنوير، والذي كتبه غابريال غارسيا ماركيز بوصفه صحافيا وليس روائيا، جعلني أتساءل: هل الكتابة الصحافية هنا تختلف عنها في بلاد أخرى مثل أوروبا وأمريكا الجنوبية؟
لماذا؟ لأن ما كتبه ماركيز كان أقرب للأدب منه للتقارير الصحافية، وكان يتعامل مع كل تلك الرحلات بحس ساخر جعل من تلك التجربة شيئا ممتعا، وهذا ما لم أعتد عليه أثناء عملي صحفي، وما لم أتعلّمه خلال تجربتي الصحفية.
أتصور بأن للكتابة جانب آخر لم أتنبه له طوال السنوات الماضية، وهو ألا نتعامل معها بجدية مفرطة، فالسخرية، وعدم أخذ الكتابة على محمل الجد ستكون سببين كافيين للتأثير الذي يطمح له كل كاتب في هذا العالم، وكل كاتبة أيضا.
نحن حينما نكتب، نضع أنفسنا في حالة من التعالم، تلك التي تدفعنا أحيانا لأن نكون حكماء، وعلى قدر عال من المسؤولية، ولا أعتقد بأن هذا الأمر له علاقة بجوهر الكتابة أصلا.
إنه ينبغي أن نتعامل مع الحياة بوصفها شيئا غير حقيقي، لذا هذا ما يدفعنا لأن نكتب بشيء من عدم اليقين، بسخرية، بتشكك مستمر حول كل الظواهر، فنحن ماضون في النهاية إلى لغز، إلى نهاية غير متوقعة، لسنا متيقنين متى سيحدث ذلك.
في هذا الكتاب يأخذنا ماركيز إلى ما وراء السياسة، لعمق حياة الناس. إنه نموذج للكتابة عن الأشياء التي نتفاجأ بها، لكننا نبقى على الدوام متشككين حولها، وغير قادرين على أن نتخذ موقفا حيالها.
كتاب لطيف، وجدير بالقراءة، رغم أن ماركيز حاول طوال هذه التقارير ألا يطلق حكما، إلا أن وعيه خذله في مواضع عدة.
حياتي كصحافي.. وماركيز كصحفي!

