“سنوات الجري في المكان” تلخيص لحياتنا

نحن نتغيّر بعد يوم واحد – يوم واحد فقط- فماذا يمكن أن يحدث بعد عشر سنوات؟
هذا السؤال هو أول ما تبادر إلى ذهني بعد الانتهاء من قراءة رواية نورا ناجي، والصادرة عن دار الشروق المصرية عام 2022، والتي حملت عنوان “سنوات الجري في المكان”.
هذه الرواية التي تعلّمنا معنى التغيّر، حتى وأن حاولت الكاتبة أن تقول في الصفحة الأخيرة من الرواية على لسان أحد أبطالها، عندما التقت “نانا” بـ “مصطفى” بعد سنوات من القطيعة، وبعد أن حدث كل ما حدث، حينما قالت: “يبدو أن كل شيء قد تغيّر”، فيرد مصطفى: “إلا نحن”.
نحن نتغيّر يا مصطفى حتى وإن حاولنا أن نقاوم، وحياتنا في المجمل حالة من المقاومة التي لا تنتهي. إننا نركض في هذه الحياة طوال حياتنا كلها، ولدينا تلك الرغبة أن نتوقف عن التغيّر عند مرحلة معينة من مراحل حياتنا، لكن الزمن أقوى من قدرتنا على هذه المقاومة، لنكتشف بعد مرور وقت طويل بأننا لم نعد أولئك الذين كنّاهم في وقت سابق!
في الحقيقة نورا ناجي ودينا شحاتة، كانتا اكتشافا جميلا بالنسبة لي. قبل نحو شهر أو تزيد قليلا، اُخترت لأكون مرشدا أدبيا في معتزل الكتابة الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة في المملكة العربية السعودية، والذي أقيم في مدينة نيوم، وقبل أن يبدأ المعتزل قمت ببحث سريع عن المشاركين معي في ذلك المعتزل، كان معي فيه خمسة كتّاب وكاتبات سعوديين، ونورا ناجي، ودينا شحاتة من دولة مصر الشقيقة.
في الواقع لم أكن قد قرأت لهما من قبل، على الرغم بأن نورا تحديدا لديها مجموعة من الإصدارات، لذا طلبت منهم نسخا من إصداراتهم، وكانوا كريمين معي جميعا بأن جاؤوا بأغلب إصداراتهم وأعطوني إياها.
أثناء المعتزل وأثناء النصوص التي قدمها المشاركين، وتناقشنا حولها، كانت نورا تملك تلك اللغة الآسرة التي تخترق القلب، إنه سحر اللغة الذي لا يمكن مقاومته، لديها تلك القدرة الهائلة أن تفترس كل مشاعرك بجملها التي تنطلق من القلب لتستقر في القلب مباشرة.
أعتقد بأن أهم ما يميّز نورا ناجي أنها تكتب بحساسية الفنان، وليس بوعيه، لذا تأتي جملها مثل حربة تستقر مباشرة في قلبك، وتتركك تنزف مدهوشا من قدرتها تلك.
قرأت لنورا ناجي كتاب “الكاتبات والوحدة”، وكان كتابا فاتنا، يحمل مقدمة لا تتكرر إلا نادرا، لكنني قررت أن أقرأ لها رواية لأعرف مدى قدرتها على توظيف الفن في العمل الأدبي، وعندما انتهيت من قراءة رواية “سنوات الجري في المكان”، أيقنت بأن الموهبة هي سيدة الموقف، هذه الفتاة تكتب بشكل جميل، وقد غيّرت وجهة نظري تجاه الأدب المصري عموما، وأتمنى من الزملاء المصريين أن يتحمّلوا وجهة نظري التي كانت ترافقني لأكثر من عقدين من الزمن، وذلك بأن الأدب المصري قائم على “الحدوتة”، فاللغة تحصيل حاصل فيما يكتبون، حتى جاءت نورا، ودينا أيضا، وغيّروا قناعتي هذه.
إن “سنوات الجري في المكان” عمل تجريبي بامتياز، أتصور بأن نورا اشتغلت كثيرا على أن يكون بهذا الشكل، فهو ينطلق من حواسنا، يمر على مسامعنا، وأعيننا، وأنوفنا، وشفاهنا، فتقسيمه كان قائما على الحواس، بحيث يبدأ بالعين، ثم الفم، ثم الأذن، ثم الأنف، حاولت فيه الكاتبة أن تعطي لكل حاسة دورها المعقول في العمل، ووظفته بطريقة مبتكرة.
إن الرواية على مستوى الحدث، لم تركّز إلا على حدث واحد بشكل كبير، وهو مقتل سعد بيومي في ثورة يناير، عندما استقرت رصاصة في عينه، لكنها جاءت متخمة بالأحداث في علاقة الشخصيات ببعضها البعض، إنها تلك العلاقة المعقدة التي تحدث بين الأصدقاء، أولئك الذين يعتقدون في لحظة ما بأنهم لن يتغيّروا، لكن الزمن يقهرهم في النهاية، ويدفعهم للتغير!
هذا العمل ينطلق من عدة شخصيات محورية هم أبطال الرواية حتما، حتى وإن كان سعد البيومي هو من يبدأ الرواية، وموته يكون محورها الرئيسي، إلا أنهم جميعا يسيرون داخل الرواية بنفس الإيقاع، ويأخذون نفس المساحة، ويقولون كل ما يودون قوله، كلٌ منهم بصوته الخاص.
“سنوات الجري في المكان” عمل روائي جميل ومبتكر من حيث الشكل، يحمل فكرة تقفز عما يبدو في داخل العمل، إنه يقول حياتنا بكل حذافيرها بلغة رشيقة وفاتنة، رغم أنني متحفظ جدا لعدم وجود الحوار فيها، فالحوار ظهر بعد أكثر من 150 صفحة، في هذه الرواية التي تحوي على 263 صفحة!
أعتقد بأن هذه الكاتبة التي قطعت شوطا طويلا في الكتابة في فترة زمنية بسيطة، ستكون – إن لم تكن الآن – أحد أهم أعمدة الكتابة الروائية في مصر، وفي العالم العربي، لكن ينبغي أن تبقى تكتب بحساسية الفنان وليس بوعيه في أعمالها الروائية القادمة!
.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.